آراء

الغنوشي يحذر في الجنوب من الفتنة و الفوضى

 منذر بالضيافي

زيارة الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة "النهضة" لولايات الجنوب، نهاية الأسبوع الأخير تحمل أكثر من دلالة، وذلك بالنظر خاصة الى تصاعد وتيرة الحركة الاحتجاجية في هذه المناطق، التي تزامنت مع حملة "وينو البترول" الفايسبوكية، التي تجاوز تأثيرها حدود العالم الافتراضي، الى التأثير في الممارسة السياسية على الأرض، سواء عبر تنظيم ناشطي الحملة لوقفات احتجاجية، أو من خلال الصدي الواسع الذي أحدثته، حيث فرضت "أجندتها" على الفاعلين السياسيين، وكذلك على وسائل الاعلام التقليدي.
في ظل هذا الحراك الاجتماعي والفايسبوكي، الذي استفاد من غياب الأحزاب الرئيسية، خاصة "النهضة" و "نداء" تونس، يجب أن نضع زيارة "الشيخ" للجنوب. ما يشير الى أن الأحزاب، بدأت تستشعر خطر غيابها وتركها الساحة لأحزاب أخرى أو لناشطين غير مؤطرين ضمن الأحزاب والمنظمات. خاصة في الجنوب، الذي قد تعرف فيه الاحتجاجات "انزلاق" نحو الفوضى، بسبب غياب حلول واقعية من قبل الحكومة، وقرب هذه المناطق من نشاط جماعات الارهاب وعصابات التهريب، التي تنشط على الحدود مع ليبيا.
زيارة الغنوشي للجنوب، صحبة وفد من بعض قيادات الحزب و نوابه بالبرلمان من بينهم عامر العريض النائب عن دائرة مدنين، هي الأولى له منذ الحملة الانتخابية البرلمانية، وتشكيل حكومة الحبيب الصيد، التي تشارك فيها "النهضة" بتمثيلية رمزية لكنها مهمة سياسيا.
كما أنها عودة للاتصال السياسي المباشر، بهدف تأطير القواعد وكذلك مساندة الخيار السياسي العام في البلاد، خيار التوافق السياسي، الذي يفترض دعم الحكومة، واعطائها سند سياسي وحزبي ما زالت تفتقده منذ تشكيلها، وأثر على أدائها خاصة في علاقة باعادة الاستقرار الاجتماعي، عبر "تاطير" الاحتجاجات، وبالتالي منع كل أشكال "الزيغ" الذي قد تنحرف اليه. وهي "مهمة" حزب "النهضة" الذي يحظى بتواجد وشعبية كبيرتين في هذه المنطقة. وهو ما أكد عليه مدير مكتب الغنوشي, زبير الشهودي، اذ قال في تصريح اعلامي، بأن جولة الغنوشي في عدد من ولايات الجنوب التونسي تتنزل في إطار لقاءات داخلية مع أبناء حركة النهضة و في علاقة بمحاولة شرح طبيعة المرحلة و الرهانات السياسية التي تعيش على وقعها البلاد.
هذا ما يجعل من زيارة الغنوشي، مناسبة أيضا لاختبار مدي قدرة "الشيخ" و حزبه، على اطفاء بوادر "الحريق"، الذي وان كانت أسبابه اجتماعية وشرعية، الا أن التوظيف السياسي غير خاف على أيا كان. كما أنها فرصة لتأكيد انخراط الاسلاميين في "شراكة حقيقية" في الحكم، ومع الحزب الفائز في الانتخابات "نداء تونس". وبالتالي رفع "التهمة" المتداولة، بأن الحركة غير جدية في تحالفها الحكومي، وأن لها "ساق في الحكم وأخري في المعارضة".
وهي اتهامات، تجد ما يفسرها بل ويبرهن عليها، في مواقف وتحركات قطاع كبير من أنصار وأتباع الحركة، الذي أبدوا في مناسبات عديدة، ومنها حملة "وينو البترول"، أنهم ليسوا على "خطي الشيخ"، وهو "انفلات" لو استمر من شأنه أن يؤثر على أداء الحركة، وعلى التزاماتها مع شركائها في الحكم، وبالتالي مصداقيتها السياسية في ظل تواصل النظر، الى خطابها على أنه يتسم ب "الازدواجية". وهنا أكد الشهودي –مدير مكتب الغنوشي- "أن الرسالة السياسية من هذه الزيارة تقوم على مخاطبة أبناء حركة النهضة من أجل التعبئة في اتجاه خيار التوافق و الخطّ العام عبر الحوار و النقاش".
ولعل تأكيد مبدئية خيار التوافق الذي انتهجته "النهضة" منذ تنازلها عن الحكم والي اليوم، عاد الشيخ الغنوشي للتأكيد عليه، في الجنوب بالذات الذي نري أن رماله متحركة. اذ قال رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، خلال اجتماع حزبي يوم السبت في تطاوين، "ان هناك من يتحدث عن بحر من الغاز والنفط تسبح فوقه تونس في حين ان هذه الأخيرة لا تنتج سوى نصف ما تستهلكه من الطاقة"، على حدّ تعبيره. وهو هنا يرد على "ناشطي" و "قيادات" حملة "وينو البترول"، وبالتالي رفض للاحتجاجات "الشعبوية"، التي تدفع نحو الفوضى والفتنة، وتمثل تهديدا للمسار الديمقراطي، وهو ما اتهم به الغنوشي صراحة الواقفين على الحملة الفايسبوكية.
وهو ما عبر عنه الغنوشي بوضوح و"شجاعة" عندما خاطب من يقف وراء اثارة "الفتنة" بقوله " ان من يريد تغيير الحكومة فالدستور يحدد كيفية ذلك ويمكنه الالتجاء إلى صناديق الاقتراع ومجلس نواب الشعب لا عن طريق نشر الفوضى والدعايات المضللة والإيهام بأن هناك ثروات ضخمة تتكتم عليها السلطات".
اختار الغنوشي، بصفة علنية التأكيد على أن "التوافق" خيار استراتيجي بالنسبة لحركته، كما أبدي تضامن ومساندة حزبه للحكومة، وهو الذي صرح في وقت سابق بأن "حكومة الصيد لم تفشل"، ودعا الى اعطائها المزيد من الوقت والصبر عليها.